الرئيس ميقاتي: كان يجب عند إقرار السلسلة النظر إلى الميزانية العامة

أكد الرئيس نجيب ميقاتي "أن سلسلة الرتب والرواتب هي حق طبيعي ولكن كان يجب عند إقرارها النظر بشكل أفضل الى مدى إنعكاسها على مجمل الميزانية العامة، لجهة ردم الهوة الكبيرة بين المصاريف والواردات". وشدّد على أنه "إذا أخذنا بعين الإعتبار مشروع الموازنة المقدم من الحكومة، وأضفنا عليه ما يتوجب من أكلاف لسلسلة الرتب والرواتب، فسيكون العجز في الموازنة حوالى 9000 مليار ليرة، وهذه النسبة تعتبر عالية مقارنة مع الدخل القومي والعجز العام "، لافتاً الى "أنه لا يمكن  خفض هذا العجز ما لم تكن هناك خطة مدروسة ورؤية واضحة ومتكاملة للحل".

وفي لقاء في طرابلس قال الرئيس ميقاتي: نشكر الله أن الأمور الأمنية مستقرة، وأنا على يقين أنها ستبقى كذلك بإذن الله. أما في الإدارة، فأنتم أهلها وتعلمون مدى ترهل الإدارة اللبنانية والفراغ الحاصل فيها، من حيث عدم المسؤولية وتوزيع المحاصصة بين الزعماء والمسؤولين، حيث تحولت الإدارة الى جزر ومحميات ليس هدفها خدمة المواطن بشكل عام، بل هذا الزعيم أو ذاك.

وقال: يتحدثون عن إبطال آلية التعيينات، وهذه الآلية لن تنهي المحاصصة، بل هي على الأقل مصفاة لإختيار الشخص الأفضل لهذا المركز أو ذاك. وحتى هذا الأمر، يريدون التخلي عنه لكي يتاح لهم تعيين من يشاؤون في أي مركز كان. وهذا دليل آخر على ما يصيب هذه الإدارة من وهن.

أما على الصعيد الإقتصادي فقد أقر المجلس النيابي بالأمس سلسلة الرتب والرواتب، وهي حق للموظف، لأنه منذ العام 1998 لم يتم إعادة النظر برواتب القطاع العام. ولكن كان يجب عند إقرار هذه السلسلة أن ننظر إلى الميزانية العامة، لجهة ردم الهوة الكبيرة بين المصاريف والواردات. اليوم نحن ننتظر إقرار مشروع الموازنة مضافا إليه إعتماد تغطية أكلاف لسلسلة الرتب والرواتب وعندها سنكتشف أن العجز في الموازنة العامة سيصل الى مشارف حوالي 9000 مليار ليرة، وهذه النسبة تعتبر عالية جداً بالنسبة الى الدخل القومي إذا لم نستدرك الأمر فوراً ويتم التوافق على تكوين رؤية واضحة لكيفية سد هذا العجز وتخفيضه من خلال ضبط الإنفاق والحد من الفساد والفلتان الإداري، ومعالجة الإستنزاف في ملف الكهرباء. ما تدفعه الدولة سنوياً دعماً لهذا القطاع هو بحدود ١٥٠٠ مليار ليرة، رغم أن المواطن يعاني من إنقطاع الكهرباء ويدفع في الوقت ذاته فاتورتين للكهرباء. لقد أبدينا إستعدادنا للمساعدة في تأمين الكهرباء، وتوفير هذا العجز على الخزينة، ولكن لا حياة لمن تنادي فكلها تشابك مصالح، ولا أحد يستطيع أن يضع رؤية واضحة لتخفيض هذا العجز، بعيداً عن ضريبة من هنا ورسم من هناك سيكون تأثيرهما سيئاً على المواطن ولن يغطّيا إلا جزءاً قليلاً من العجز. مثالاً على ذلك لقد تمت زيادة نسبة واحد في المئة على الضريبة على القيمة المضافة، ما يمكن أن يزيد الواردات بحوالي 240 مليون دولار، أي ما يوازي 400 مليار ليرة. نحن نتكلم عن عجز يقدر ب9000 مليار ليرة، ولذلك فمهما فعلوا فهم لن يستطيعوا تخفيض هذا العجز ما لم تكن هناك خطة مدروسة وورؤية واضحة ومتكاملة للحل.

ملف طرابلس

وتطرق الى الشؤون الطرابلسية فقال: إننا بحاجة دائماً الى أن تنظر الدولة اللبنانية بعين العدل والإنصاف إلى هذه المدينة، والى كل المحافظة بشكل عام من عكار إلى طرابلس. يقول البعض من باب الحملات ليس إلا "كنتم خمسة وزراء، فماذا فعلتم"؟ وجواباً على هذا السؤال أقول: على الرغم من كل المعارضات والمعوقات التي وضعت أمامنا في تلك المرحلة التي تعونها تماماً، استطعنا أن نؤمّن الإعتمادات اللازمة لإستكمال الخط الدائري، ومبنى الجامعة اللبنانية وسوق الخضار، وإستكمال تطوير مرفأ طرابلس واضعين إياه على الخارطة الأساسية كمرفأ أساسي في حوض البحر المتوسط. إضافة الى ذلك خصصنا مبلغ مئة مليون دولار للإنماء في طرابلس ولا نعرف مصيره بعد. كل هذه الأمور وضعت في عهد حكومتنا، افعلوا كما فعلنا ونحن لكم من الشاكرين. حاولوا أن تجدوا المشاريع، والأهم أن تكون مشاريع إقتصادية لإنعاش المدينة.

الإنتخابات النيابية

وعن ملف الإنتخابات النيابية الفرعية والعامة قال: في موضوع الإنتخابات الفرعية هناك فراغ في مقعدين نيابيين في طرابلس، واحد مقعد للروم الأرثوذكس وآخر للطائفة العلوية.

نحن على كامل الاستعداد في تيار العزم لخوض هذه المعركة، وقلت تفادياً لأي جدل أنه سيكون لنا موقف عند دعوة الهيئات الناخبة، ففسّره البعض تردداً أو ضعفاً. ليقولوا ما يشاؤون ولكن بإذن الله نحن لها.

أما في موضوع الإنتخابات العامة المقررة العام المقبل فإن القانون الذي صدر اعتمدت فيه معظم البنود الواردة في المشروع الذي وضعته حكومتنا وعدلوا مواداً أخرى شكّلت تشويهاً كاملاً لمشروعنا. من هنا أعتقد أنه يجب، قبل الإنتخابات النيابية العامة، أن يصار بهدوء وروية الى إعادة النظر بهذا القانون، ليكون قانوناً منطقياً ينتج حسن التمثيل. هذا هو المطلوب، ولكن، في كل الأحوال، حتى ولو لم تتم هذه المقاربة فنحن سنخوض هذه الإنتخابات أيضاً.

المسجد الأقصى

وكان الرئيس ميقاتي يتحدث خلال حفل الغداء الذي أقامه القطاع الديني في "تيار العزم"على شرف المشايخ المشاركين في برنامج الدعم الديني خلال شهر رمضان المبارك، بحضور أمين دار الفتوى الشيخ محمد إمام ولفيف من المشايخ.

وقال الرئيس ميقاتي: لقد أعاننا الله أن يكون شهر رمضان هذه السنة شهراً مميزاً في الجمعية، على مختلف الصعد لا سيما على الصعيد الديني والإجتماعي حيث أقيمت في معظم المساجد دروس بعد صلاة العصر، إضافة إلى إقامة صلاة التراويح والقيام وإحياء ليلة القدر. ويا ليت كل أيامنا تكون كشهر رمضان المبارك، شهر التقرب إلى الله تعالى، والصلوات والدعوات "ألا بذكر الله تطمئن القلوب "...

اليوم بالذات، ونحن نحتفل ونكرم من تابع وعمل في مساجد طرابلس، تنتابنا غصة في قلوبنا عندما نذكر المسجد الأقصى وما يتعرض له. عندما نقرأ أو نتابع ما يحصل هناك، فإنني لا شعورياً أقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله". ومن يسلّم أمره إلى الله، فإن الله يجعل له مخرجاً.

التوكل على الله ضروري وأساسي، وإيداع الأمر لديه سبحانه من المسلمات لدينا، ولكن أيضاً علينا نحن العرب والمسلمين أن نتعاضد ونتكاتف، لنكون يداً واحدة في كل الأمور، وخاصة في هذا الأمر بالذات. كيف لا، والمصلون المسلمون يمنعون من زيارة المسجد، فيما نحن نتصارع ونتحارب ونشهد كل أنواع الشرذمة. أليست مسألة  المسجد الأقصى بالذات، يجب أن تكون سبباً للتعاضد والتكاتف، ونسيان الخلافات، ولتجتمع كلمة العرب والمسلمين على أمر واحد، هو الضغط على الدول الكبرى، لإجبار إسرائيل على رفع الظلم عن أهلنا في فلسطين المحتلة.

أضاف: من الضروري أن تزول هذه الخلافات، وأن نكون جميعاً يداً واحدة لتحرير المسجد الأقصى من أيادي العدو الصهيوني. هذا ينبغي أن يكون المعيار للخروج من المشاكل التي نعاني منها. يجب دائماً أن لا ننسى أهلنا في فلسطين والمسجد الأقصى، وأن نشارك غداً في الإعتصام الذي دعا إليه صاحب السماحة المفتي مالك الشعار الذي نكن له كل احترام ومحبة ومودة، وشكراً لكم جميعاً. وفي الختام نشكر للحاضرين حضورهم ومشاركتهم في الشهر الفضيل.

الرئيس ميقاتي: يوجد إجماع على أن سلسلة الرتب والرواتب هي حق يجب إقراره

شارك الرئيس نجيب ميقاتي في الجلسة التشريعيّة التي تعقد في المجلس النيابي.

وقال لدى مغادرته المجلس بعد انتهاء الجلسة الصباحية "لاحظنا خلال الجلسة وجود إجماع بين النواب على أن سلسلة الرتب والرواتب للموظفين والعاملين في القطاع العام هي حق يجب إقراره، ومن جهة أخرى يبقى البحث ناشطاً في موضوع الموارد.

أضاف: من المستحسن أن نقِّر سلسلة الرتب والرواتب لكي تتكون لدينا فكرة واضحة ودقيقة عن أكلافها على أن تدرج ضمن الموازنة، حيث من واجب الحكومة أن تؤمن الموارد اللازمة لها وتقترح ما يلزمها من ضرائب ورسوم جديدة لتخفيض العجز المقّدر في الموازنة، لا سيما وأن رئيس لجنة المال النيابية كشف  خلال جلسة اليوم أنهم تمكنوا خلال النقاش في اللجنة في بند  الموارد من إيجاد وفر كبير بحوالي ألف مليار ليرة لبنانية ما يساعد على خفض العجز العام.

وختم بالقول "عندما نعرف الأرقام النهائية لأكلاف السلسلة يمكننا أن نعرف الموارد التي نحتاج إليها علما أن بند  الضرائب المقترحة لتمويل السلسلة لم نصل إلى مناقشته بعد".

الرئيس ميقاتي: وصلنا لمشروع أتمنى أن يكون خطوة بسبيل الإصلاح السياسي

 

رأى الرئيس نجيب ميقاتي "أن من ايجابيات مشروع القانون الجديد للإنتخابات النيابية، الذي انطلق من المشروع الذي أقرته حكومتنا وأرسلته الى مجلس النواب عام ٢٠١٢، أنه سينتج تنوعاً سياسياً من شأنه إعطاء قيمة مضافة للعمل السياسي في لبنان"  وأمِل "أن ينبثق عن الإنتخابات التي ستجري وفق القانون الجديد فريق عمل متجانس نتمكن من التعامل معه".

وفي كلمة ألقاها خلال رعايته حفل السحور السنوي لمؤسسات العزم في طرابلس قال الرئيس ميقاتي:" صحيح أننا عشية إقرار قانون جديد للإنتخابات النيابية يمكن أن يعطي أملاً بالإصلاح، إلا أنه جرى تشويه لمشروع القانون الذي أرسلته حكومتنا إلى مجلس النواب في عدة أمور، لن أتناولها تقنياً بالتفصيل اليوم، ولكن المجموعة التي صاغت مشروع القانون الحالي، والتي لها الكلمة الأولى في صياغته، كانت في حكومتنا، ووافقت على مشروع القانون الذي أرسلناه، سواء بالإسمين التفضيليين، أو بتقسيم الدوائر، أو بتخصيص ستة مقاعد إضافية على عدد أعضاء مجلس النواب الحالي تخصص للمغتربين والأهم، عدم نقل أي مقعد نيابي من منطقة الى أخرى. هذا ما أصررنا عليه ووافقنا عليه في حكومتنا بالإجماع. واليوم وبعد ستة أو سبعة أشهر من الجدل العقيم، وصلنا إلى مشروع، أتمنى أن يكون خطوة أساسية في سبيل الإصلاح السياسي وإنتاج طبقة سياسية جديدة في لبنان، تتماشى مع تمنياتنا وأحلامنا كلبنانيين.

أضاف: "أنتم أبناء العزم، أنتم أبناء الوسطية ونحن نعرف ماذا نريد. نريد بناء الدولة العادلة لكل الناس، وأن يكون شعارنا محاربة الفساد وتحقيق النزاهة بنسبة مئة في المئة، هذا هو الأساس، ونحن نطلب الأمن والأمان وليس أكثر، ونتمنى أن تتكون السلطة الجديدة على هذه الأسس".

وقال:" دوركم دور غير عادي، فالتعاطي مع الناس ليس سهلاً، وكما يقال: "لا يرضي العباد إلا رب العباد ." أعلم أنه من الصعب إرضاء جميع الناس، ولكني على يقين بأنه بالمحبة والإبتسامة والود لأي طالب خدمة، نكون قد اجتزنا نصف المسافة في الإتجاه الصحيح. عاملوا الناس كما تحبون أن تُعاملوا: بالمودة والمحبة. فهذا ما يجسد قول الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يوصي بذلك. أعرف أن هذا الأمر ليس سهلاً ولكنني أعرف أيضاً أن نتيجته إيجابية. دوركم كبير وأساسي، ويشكل خط الدفاع الأول لكل التعاطي مع الناس، وقد كتبت علينا هذه الخطى، وسنتابعها بكل إصرار وتصميم".

أضاف: "ربما كان البعض يقول أن هذا العمل هو من أجل السياسة، وليس للصالح العام. وأنا أقول إن "جمعية العزم والسعادة الإجتماعية "قد وجدت قبل تفكيرنا، سواء أنا أو شقيقي، بالتعاطي بالشأن السياسي وبالعمل العام. لقد أنشأناها لخدمة أبناء مدينتنا طرابلس الحبيبة. وهذا هو إصرارنا وهو ما سنبقى عليه. واليوم، مع تعاطينا العمل العام، زاد حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، ونحن لن نقصر بإذن الله".

وقال:" إن نجاح "جمعية العزم والسعادة الإجتماعية" وسائر مؤسسات العزم، مرده الى ثلاثة أسباب اولها رضى الله ورضى الوالدين، وإصرار هذه الموارد البشرية الطيبة التي تتفهم الناس، وتتعاطى معها يومياً، فلولاكم، لما كانت الجمعية العزم والمؤسسات فأنتم الأساس، والمحرك الأساسي. ولولا وجود شخص يدعى طه ميقاتي، الذي هو الداعم الحقيقي من خلف الستار، والمقتنع والمؤمن بالعمل الذي تقومون به، لما كان هذا النجاح وهذه المؤسسات التي ستكبر يوماً بعد يوم بإذن الله".

إطبع


كلمة الرئيس نجيب ميقاتي في حفل تخريج طلاب جامعة بيروت العربية – فرع الشمال 3/9/2016
السبت، ٠٣ أيلول، ٢٠١٦

أيها الحفل الكريم

 

أقف على منبر جامعة بيروت العربية، وفي ذاكرتي محطات أربع أريد أن أستعيدها أمامكم لكي نأخذ منها معا العبر. المحطة الأولى كانت في العام 1957 حين اتُخذ أهم قرار رؤيوي على الإطلاق من قبل القيّمين على "جمعية البر والأحسان" وهو إنشاء جامعة في بيروت، وتمّ اللقاء بالرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي وافق دون أي تردد على طلب الجمعيّة بدعم الجامعة من الناحية العلميّة والأكاديميّة، رافضاً في الوقت ذاته تسميتها بإسمه ومقترحاً إسم "جامعة بيروت العربية". وها هي الجامعة، منذ انطلاقتها في العام 1960، وبعد سنوات من العمل الدؤوب، في تقدم وتطور مستمرّين، فالعبرة الأولى التي نستخلصها معكم هي الرؤية الثاقبة للقيّمين على "جمعية البر والأحسان"، والنظرة الاستراتيجية للرئيس عبد الناصر، والعمل المشترك لتحقيق هذا الهدف.

 

المحطة الثانية كانت عام 1999 حين بدا حلم إنشاء فرع الجامعة في طرابلس، ولم يكن الأمر يسيرا، وافخر بانني سعيت وساهمت في كل الاتجاهات لكي يصبح هذا الحلم حقيقة، وتكلل ذلك عام 2005 حين وضعت شخصيا حجر الأساس لانشاء هذا الصرح  في هذا المكان بالذات تعبيرا عن إيماني بدور العلم في مسيرة النهوض وتنشئة الأجيال، وكان هناك كمّ كبير من المشاكل والعراقيل، من شراء الأرض الى زيادة استثمار البناء، الى تكلفة البناء وتأمين الدراسة. والعبرة هنا، كما يقول الإمام الشافعي "سيفتح الله لك باباً كنت تحسبه من شدة اليأس لم يُخلق بمفتاح".

 

أما المحطة الثالثة في تاريخ هذه الجامعة فكانت في العام 2014 حين افتتحت مبنى العزم في فرع الجامعة في طرابلس استكمالا لهذه الرسالة، والعبرة هنا هي في ارساء نهج التضامن الاجتماعي والمسؤولية المشتركة التي تنهض بها  المجتمعات.

 

ويقتضي منا بوقفة وفاء لهذه الجامعة، أن أذكّر انها كانت اول جامعة في الشرق تدرّس اختصاص الاتصالات، وبفضل الدفعة الأولى من خريجيها في هذا الاختصاص تمكنت شركتنا من الانطلاق والتطور.

 

أما المحطة الرابعة التي إستذكرها في هذه اللحظات فهي مختلفة، فكلما أقف على منبر للتخرج تعود بي الذاكرة الى يوم تخرجي من الجامعة الأميركية في بيروت، وكان خطيب الحفل يومها الرئيس سليم الحص، اطال الله بعمره، وتحدث عن تجربته الغنية في الشان العام،  وأعترف امامكم الآن أنني لم أنصت اليه بانتباهٍ كامل لأنني من كلامه ذهبت الى عالم الأحلام.

 

حلمت بشاب يستعجل خطى النجاح في الأعمال، ينشط في الحياة العامة، يتولى مسؤوليات سياسية، طامحا، فاعلا، مؤثرا، ويتبوأ أعلى المناصب السياسية والوطنية. تلك كانت أحلامي التي أخذتني بعيدا في لحظة التخرج، كما هي أحلام الكثيرين منكم اليوم.

 

تحدثنا عن العبر التي يجب أن نتعلم منها والآن سنتحدث عن الحلم الذي يقودكم الى مساحة، لا حدود لها من الحرية، ويعطيكم الأمل في مواجهة اليأس والاصرار بالصبر على ما تصبون اليه.

 

تلوجون اليوم العالم الواقعي، بعيدا عن النظريات الجامدة، حاملين خوف جيلكم من الحاضر والمستقبل  بسبب الأهوال المحيطة بوطننا وامتنا وبسبب ضيق الفرص وانسداد الأفق، فلا تهتموا لذلك، فأنتم لستم فقط الجيل الخائف بل الجيل الذي يخيف في آن معا، لأنكم جيل وسائل التواصل الإجتماعي حيث تستطيعون التعبير والتأثير في كل لحظة وعلى مدار الساعات والأيام بواسطة كبسة زر وصياغة جملة، جيلٌ بات يمكن أن يحرك العالم. ولكن اوصيكم أن تكونوا على مستوى هذا الصرح الذي تتخرجون منه اليوم لأنه صرح يعلم القيم والاخلاق كما التربية والعلوم.

 

المستقبل لكم فلا تترددوا، ولا خيار أمامكم الا خوض غمار العمل المنتج والدؤوب من دون كلل أو ملل.

 

 

كل منكم يختزن في داخله طاقة خلاّقة جبارة، لكن المهم أن يُدرك المرء نقاط قوّته ونجاحه وتفوّقه.

 

هذه ليست نصيحة تقليدية بل هي قاعدة  نجاح في الحياة، يقولها لكم رجل طَموح يُصارع مرارة الواقع وقد يعتبرني البعض رجلا سياسيا والبعض الآخر رجل اعمال ناجحا، ولكنني لا ارى نفسي، مهما اتسعت دنياي الا الأبن الذي سعى دائما الى رضى الله ووالديه ما إستطاع  اليه سبيلا، والأب الراغب في أن يرى مستقبله في تماسك عائلته ونجاح أولاده.

 

يا أبناء وخريجي جامعة بيروت العربية

 

اليوم هو حكماً من أكثر أيامكم سعادة

 

هو اليوم الذي كنتم اليه تشخصون، حيث يتحول كل واحد منكم ، الى شخصية ناضجة وعاملة وحاضرة لتحمل المسؤوليات العملية والعائلية والوطنية.

 

اليوم هو يوم أحلامكم الكبيرة، وهي حق لكم، فلا تتواضعوا بأحلامكم لكن لتكن أهدافكم عملية وقابلة للتنفيذ .

 

حددوا أهدافكم بعقولكم وسيروا اليها بثقة واستفتوا قلوبكم واستمعوا الى أصوات ضمائركم التي تذكركم دائماً بواجباتكم امام الخالق والخلق. أليس سيد الخلق من قال خيركم خيركم لأهله؟

 

كونوا مع الالتزام الصادق والعميق بالقيم الدينية والانسانية، لأن هذا هو مكانكم الطبيعي والسليم.

 

ثقوا بأن الديمقراطية والمذهبية ضدان، كما الحرية والعنف ضدان، وكذلك المعرفة والتخلف ضدان.

 

لبنانكم الواحد لا يكون الا لجميع أبنائه من خلال شراكة حقيقية في الحقوق، كما في الواجبات، في المواطنية، كما في الانتماء..... فاعملوا كي يبقى كذلك.

 

أيقنوا أن مبادرات الحلول العربية والخارجية المطروحة، على أهميتها، لن تكون بديلا عن التوافق بيننا كلبنانيين، فاعملوا على توطيد الثقة المتبادلة في ما بينكم، أنتم جيل الشباب، لتعزيز دوركم  في صناعة مستقبل وطنكم على صورة طموحاتكم وآمالكم.

 

فلا خيار الارتهان والتبعية  للخارج مفيد، ولا نهج العناد والمكابرة في الداخل مجد، ولا بديل عن قيام تعاون حقيقي أساسه الثقة، لادارة شؤون الوطن ومعالجة الأزمات التي يتخبط بها.

 

أبناءنا الاعزاء

 

تعلمون جميعا أننا من دعاة الوسطية والإعتدال، وأن الخطاب المعتدل ليس جذابًا وبراقًا ومثيرًا كخطاب الإصطفاف والتحريض وتحريك الغرائز.

 

نحن نعلم ان مهمتنا شاقة ولكن معكم ومع امثالكم من اصحاب الكفاءة والتنور تهون الصعوبات وننجح .

 

أبناءنا الاعزاء

 

لا تهدروا طاقاتكم على جَلد الذات ولا تنسوا الخطأ لكن الأهم هو أن تتجاوزوه.

لا تهملوا الصواب والإنجازات حتى لو كانت ضئيلة مقارنةً مع الخطأ والفرص الضائعة.

 

إبنوا على الماضي في نجاحاته مهما كانت قليلة  وتجاوزوا الأخطاء والخطايا مهما توفرّت.

 

ليكن كلامُكم أقل من أفعالكم

 

وليكن نجاحكم أكبر من إخفاقاتكم...

 

كلّنا يُخطئ وجلّ من لا يُخطئ، لكن الصواب في المبادرة لا في المغادرة... لا تهاجروا عند أول عائق... تجاوزوا اليأس بطموحكم وتعلّقوا بجذوركم فلا يسهل اقتلاعكم.

 

أنتم خميرة هذا الوطن وثروته الحقيقية. كفانا هروباً للطاقات والمواهب بدون حساب، الهجرة مباركة شرط أن لا تصبح الملاذ الوحيد، وكفانا تصديراً جماعياً لشبابنا وشاباتنا.

 

مغتربونا وكلّ من قصد المهجر هم اليوم فخر وسند لاقتصاد لبنان، لكنّ نسبة هجرة الطاقات الشابة هي عاليّة جداً وواجبكم كما هو واجبنا أن نحدّ منها بدون أن نلغيها لأنها نعمةُ في اعتدالها، ونقمةٌ في تكاثرها...

 

تعلّقوا بأرضكم؛ إبنوا دولتكم؛ امنحوا لبنانكم المناعة وتذكروا القول الشهير: لا تسألوا أنفسكم ماذا يمنحني لبنان؟ بل قولوا لأنفسكم: واجبي أن أمنحه كي يّعيد لي عطائي أضعاف الأضعاف...

لقد ضقنا ذرعًا بالحروب العبثية التي لم تتوقف في ما بيننا والتي أدت في ما أدت اليه الى إشاحة النظر عن القضايا الرئيسة واولها وأهمها اغتصاب فلسطين، في الوقت الذي نعيش نحن الحروب المدمرة وزهق الأرواح البريئة وتدمير مقومات الإقتصاد العربي في كل مكان، من المحيط الى الخليج.

 

لقد نال هذا الجيل، كما الأجيال التي سبقت، كفايتها من الحروب، ولكي تتوقف هذه  الحروب علينا أن نؤمن للضعيف والمستضعف شعوراً بالأمان، بعدما تعرضت الأغلبية المطلقة من الناس في منطقتنا للظلم والإضطهاد والكراهية. ولا يمكن  للحروب ان تتوقف الا حين يكون القوي عادلاً والضعيف آمناً، وهذا ليس بالأمر اليسير لكنه ليس مستحيلاً .

 

نحن أبناء الأجيال التي سبقت نراهن عليكم للتأثير إيجاباً بحياة الآخرين

 

نحن أبناء الأجيال التي سبقت نراهن عليكم لإيجاد الحلول بدل طرح الأسئلة

 

نحن أبناء الأجيال التي سبقت نتوقع منكم أنتم ان تغيروا الواقع وتبلغوا المرتجى

 

فنحن نعيش في عالم تسيل فيه الدماء بغزارة

 

هناك اطفالٌ و شبابٌ لم يلتحقوا بمدارس وجامعات كما فعلتم وكما تيسر لكم

 

هناك فسادٌ في كل مفاصل حياتنا العامة

 

هناك فراغٌ لا يملأه الا من يشبهكم.

 

التحديات التي ستواجهكم أيها الأعزاء، لا يمكن مواجهتها الا من خلال العلم والتضامن والتمسك بالقيم والفضائل، والعمل الدؤوب لتحقيق الانجازات الانسانية، والاصلاحات والتوعية المطلوبة. إن كل هذه المهمات لا تصبح حقيقة قائمة، الاّ من خلال بناء دولة قابلة للحياة، وحكومات مركزية قوية يسود فيها حكم القانون، والاستمرار في تعزيز تعلّم القراءة والكتابة ومكافحة الأمية والجهالة، وتوفير التنمية المستدامة.

 

أيها الحفل الكريم

 

لست في هذا المقام لأتحدث عن السياسية اللبنانية وتفاصيلها، لكن من الصعب تجاوز ما صدر بالأمس من قرار اتهامي بتفجير مسجدي التقوى والسلام في قلب مدينتي طرابلس. ونحن، كما كنّا دائماً، لا نتدخل في عمل القضاء لكننا نعوّل عليه لاحقاق الحق ومحاسبة كل الضالعين في الجريمة، فعشرات الشهداء ومئات الجرحى أمانة في اعناقنا ومن واجب السلطة القضائية ومسؤوليتها الوطنية والاخلاقية كشف المرتكبين ومحاكمتهم لأنهم من أسوأ الناس لأية فئة انتموا لانهم استهدفوا  المؤمنين في بيوت الله الآمنة. طرابلس حمت كل لبنان من الفتنة يوم التفجير ولى القضاء أن ينصفها وينصف شهداءها.

 

أيها الأحباء،

 

وأنتم تخرجون الى الحياة العامة، إفتخروا  بما حصلّتم، لا تديروا ظهوركم الى جامعتكم التي تعتز بكم وتحتاج اليكم. فهذا الصرح الكبير الذي خرّج الالاف قبلكم، وسيخرّج الآلاف بعدكم، ليس فقط جامعة تدرّس شبانا وشابات وتؤهلهم للعمل، إنها منارة علم وحضارة، ومعلم للحياة، بها نفاخر ومن أجل قوتها وتقدمها نعمل لكي تستمر في حمل راية التجدد والتجديد وتبقى تساهم في نهضة بلدنا والشرق العربي عموما.

 

ولا بد  لي في هذه المناسبة من أن أوجه التحية الى جميع القيّمين على جامعة بيروت العربية، لا سيما رئيس الجامعة الدكتور عمرو جلال العدوي ومجلس الامناء وعلى راسه الأخ الصديق الدكتور سعيد الجزائري، وجميع الاساتذة والعاملين. وبما أننا في فرع الشمال لا  بد من أن نشكر جمعية متخرجي جامعة بيروت العربية في الشمال وأخص بالشكر الأخ الصديق أحمد سنكري الذي قام بدور أساسي في انشاء فرع الجامعة في طرابلس. كما نستذكر في هذه المناسبة  فقيد الجامعة وفقيدنا  المرحوم الأستاذ عصام حوري، الذي تحمل دورة التخرج هذه إسمه والذي اعطى الكثير من وقته وجهده بإخلاص وتفان في سبيل نجاح هذه الجامعة.

 

لتكن رسالتنا الى بعضنا البعض أولا، والى الآخرين ثانيا، ألا نستسلم أو نقبل بالأمر الواقع القاتم الماثل امامنا على امتداد العالم العربي. فعلى رغم الصورة الضبابية، يلوح أمل في الأفق. لننتصر على ذواتنا ونجعل من قلقنا على الغد حافزا ينفخ فينا روح العزم والتصميم.

 

لنشجع  بعضنا بعضا على فتح قلوبنا وأفكارنا ونوحدها، لأن في الاتحاد قوة، بما يمكننا من تحقيق نتائج كثيرة تتجاوز ما يمكن أن نحققه منفردين.

 

نصيحتي لكُم أخيرا لا تخافوا المستقبلَ فما فالمستقبلُ الا عملكم اليوم وعمل اليوم يجب ان يكون دائما رضى الله ورضى الوالدين. . والسلام عليك

المزيد من الفيديو
الرئيس ميقاتي يهنىء بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد