الرئيس ميقاتي: كان يجب عند إقرار السلسلة النظر إلى الميزانية العامة

أكد الرئيس نجيب ميقاتي "أن سلسلة الرتب والرواتب هي حق طبيعي ولكن كان يجب عند إقرارها النظر بشكل أفضل الى مدى إنعكاسها على مجمل الميزانية العامة، لجهة ردم الهوة الكبيرة بين المصاريف والواردات". وشدّد على أنه "إذا أخذنا بعين الإعتبار مشروع الموازنة المقدم من الحكومة، وأضفنا عليه ما يتوجب من أكلاف لسلسلة الرتب والرواتب، فسيكون العجز في الموازنة حوالى 9000 مليار ليرة، وهذه النسبة تعتبر عالية مقارنة مع الدخل القومي والعجز العام "، لافتاً الى "أنه لا يمكن  خفض هذا العجز ما لم تكن هناك خطة مدروسة ورؤية واضحة ومتكاملة للحل".

وفي لقاء في طرابلس قال الرئيس ميقاتي: نشكر الله أن الأمور الأمنية مستقرة، وأنا على يقين أنها ستبقى كذلك بإذن الله. أما في الإدارة، فأنتم أهلها وتعلمون مدى ترهل الإدارة اللبنانية والفراغ الحاصل فيها، من حيث عدم المسؤولية وتوزيع المحاصصة بين الزعماء والمسؤولين، حيث تحولت الإدارة الى جزر ومحميات ليس هدفها خدمة المواطن بشكل عام، بل هذا الزعيم أو ذاك.

وقال: يتحدثون عن إبطال آلية التعيينات، وهذه الآلية لن تنهي المحاصصة، بل هي على الأقل مصفاة لإختيار الشخص الأفضل لهذا المركز أو ذاك. وحتى هذا الأمر، يريدون التخلي عنه لكي يتاح لهم تعيين من يشاؤون في أي مركز كان. وهذا دليل آخر على ما يصيب هذه الإدارة من وهن.

أما على الصعيد الإقتصادي فقد أقر المجلس النيابي بالأمس سلسلة الرتب والرواتب، وهي حق للموظف، لأنه منذ العام 1998 لم يتم إعادة النظر برواتب القطاع العام. ولكن كان يجب عند إقرار هذه السلسلة أن ننظر إلى الميزانية العامة، لجهة ردم الهوة الكبيرة بين المصاريف والواردات. اليوم نحن ننتظر إقرار مشروع الموازنة مضافا إليه إعتماد تغطية أكلاف لسلسلة الرتب والرواتب وعندها سنكتشف أن العجز في الموازنة العامة سيصل الى مشارف حوالي 9000 مليار ليرة، وهذه النسبة تعتبر عالية جداً بالنسبة الى الدخل القومي إذا لم نستدرك الأمر فوراً ويتم التوافق على تكوين رؤية واضحة لكيفية سد هذا العجز وتخفيضه من خلال ضبط الإنفاق والحد من الفساد والفلتان الإداري، ومعالجة الإستنزاف في ملف الكهرباء. ما تدفعه الدولة سنوياً دعماً لهذا القطاع هو بحدود ١٥٠٠ مليار ليرة، رغم أن المواطن يعاني من إنقطاع الكهرباء ويدفع في الوقت ذاته فاتورتين للكهرباء. لقد أبدينا إستعدادنا للمساعدة في تأمين الكهرباء، وتوفير هذا العجز على الخزينة، ولكن لا حياة لمن تنادي فكلها تشابك مصالح، ولا أحد يستطيع أن يضع رؤية واضحة لتخفيض هذا العجز، بعيداً عن ضريبة من هنا ورسم من هناك سيكون تأثيرهما سيئاً على المواطن ولن يغطّيا إلا جزءاً قليلاً من العجز. مثالاً على ذلك لقد تمت زيادة نسبة واحد في المئة على الضريبة على القيمة المضافة، ما يمكن أن يزيد الواردات بحوالي 240 مليون دولار، أي ما يوازي 400 مليار ليرة. نحن نتكلم عن عجز يقدر ب9000 مليار ليرة، ولذلك فمهما فعلوا فهم لن يستطيعوا تخفيض هذا العجز ما لم تكن هناك خطة مدروسة وورؤية واضحة ومتكاملة للحل.

ملف طرابلس

وتطرق الى الشؤون الطرابلسية فقال: إننا بحاجة دائماً الى أن تنظر الدولة اللبنانية بعين العدل والإنصاف إلى هذه المدينة، والى كل المحافظة بشكل عام من عكار إلى طرابلس. يقول البعض من باب الحملات ليس إلا "كنتم خمسة وزراء، فماذا فعلتم"؟ وجواباً على هذا السؤال أقول: على الرغم من كل المعارضات والمعوقات التي وضعت أمامنا في تلك المرحلة التي تعونها تماماً، استطعنا أن نؤمّن الإعتمادات اللازمة لإستكمال الخط الدائري، ومبنى الجامعة اللبنانية وسوق الخضار، وإستكمال تطوير مرفأ طرابلس واضعين إياه على الخارطة الأساسية كمرفأ أساسي في حوض البحر المتوسط. إضافة الى ذلك خصصنا مبلغ مئة مليون دولار للإنماء في طرابلس ولا نعرف مصيره بعد. كل هذه الأمور وضعت في عهد حكومتنا، افعلوا كما فعلنا ونحن لكم من الشاكرين. حاولوا أن تجدوا المشاريع، والأهم أن تكون مشاريع إقتصادية لإنعاش المدينة.

الإنتخابات النيابية

وعن ملف الإنتخابات النيابية الفرعية والعامة قال: في موضوع الإنتخابات الفرعية هناك فراغ في مقعدين نيابيين في طرابلس، واحد مقعد للروم الأرثوذكس وآخر للطائفة العلوية.

نحن على كامل الاستعداد في تيار العزم لخوض هذه المعركة، وقلت تفادياً لأي جدل أنه سيكون لنا موقف عند دعوة الهيئات الناخبة، ففسّره البعض تردداً أو ضعفاً. ليقولوا ما يشاؤون ولكن بإذن الله نحن لها.

أما في موضوع الإنتخابات العامة المقررة العام المقبل فإن القانون الذي صدر اعتمدت فيه معظم البنود الواردة في المشروع الذي وضعته حكومتنا وعدلوا مواداً أخرى شكّلت تشويهاً كاملاً لمشروعنا. من هنا أعتقد أنه يجب، قبل الإنتخابات النيابية العامة، أن يصار بهدوء وروية الى إعادة النظر بهذا القانون، ليكون قانوناً منطقياً ينتج حسن التمثيل. هذا هو المطلوب، ولكن، في كل الأحوال، حتى ولو لم تتم هذه المقاربة فنحن سنخوض هذه الإنتخابات أيضاً.

المسجد الأقصى

وكان الرئيس ميقاتي يتحدث خلال حفل الغداء الذي أقامه القطاع الديني في "تيار العزم"على شرف المشايخ المشاركين في برنامج الدعم الديني خلال شهر رمضان المبارك، بحضور أمين دار الفتوى الشيخ محمد إمام ولفيف من المشايخ.

وقال الرئيس ميقاتي: لقد أعاننا الله أن يكون شهر رمضان هذه السنة شهراً مميزاً في الجمعية، على مختلف الصعد لا سيما على الصعيد الديني والإجتماعي حيث أقيمت في معظم المساجد دروس بعد صلاة العصر، إضافة إلى إقامة صلاة التراويح والقيام وإحياء ليلة القدر. ويا ليت كل أيامنا تكون كشهر رمضان المبارك، شهر التقرب إلى الله تعالى، والصلوات والدعوات "ألا بذكر الله تطمئن القلوب "...

اليوم بالذات، ونحن نحتفل ونكرم من تابع وعمل في مساجد طرابلس، تنتابنا غصة في قلوبنا عندما نذكر المسجد الأقصى وما يتعرض له. عندما نقرأ أو نتابع ما يحصل هناك، فإنني لا شعورياً أقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله". ومن يسلّم أمره إلى الله، فإن الله يجعل له مخرجاً.

التوكل على الله ضروري وأساسي، وإيداع الأمر لديه سبحانه من المسلمات لدينا، ولكن أيضاً علينا نحن العرب والمسلمين أن نتعاضد ونتكاتف، لنكون يداً واحدة في كل الأمور، وخاصة في هذا الأمر بالذات. كيف لا، والمصلون المسلمون يمنعون من زيارة المسجد، فيما نحن نتصارع ونتحارب ونشهد كل أنواع الشرذمة. أليست مسألة  المسجد الأقصى بالذات، يجب أن تكون سبباً للتعاضد والتكاتف، ونسيان الخلافات، ولتجتمع كلمة العرب والمسلمين على أمر واحد، هو الضغط على الدول الكبرى، لإجبار إسرائيل على رفع الظلم عن أهلنا في فلسطين المحتلة.

أضاف: من الضروري أن تزول هذه الخلافات، وأن نكون جميعاً يداً واحدة لتحرير المسجد الأقصى من أيادي العدو الصهيوني. هذا ينبغي أن يكون المعيار للخروج من المشاكل التي نعاني منها. يجب دائماً أن لا ننسى أهلنا في فلسطين والمسجد الأقصى، وأن نشارك غداً في الإعتصام الذي دعا إليه صاحب السماحة المفتي مالك الشعار الذي نكن له كل احترام ومحبة ومودة، وشكراً لكم جميعاً. وفي الختام نشكر للحاضرين حضورهم ومشاركتهم في الشهر الفضيل.

الرئيس ميقاتي: يوجد إجماع على أن سلسلة الرتب والرواتب هي حق يجب إقراره

شارك الرئيس نجيب ميقاتي في الجلسة التشريعيّة التي تعقد في المجلس النيابي.

وقال لدى مغادرته المجلس بعد انتهاء الجلسة الصباحية "لاحظنا خلال الجلسة وجود إجماع بين النواب على أن سلسلة الرتب والرواتب للموظفين والعاملين في القطاع العام هي حق يجب إقراره، ومن جهة أخرى يبقى البحث ناشطاً في موضوع الموارد.

أضاف: من المستحسن أن نقِّر سلسلة الرتب والرواتب لكي تتكون لدينا فكرة واضحة ودقيقة عن أكلافها على أن تدرج ضمن الموازنة، حيث من واجب الحكومة أن تؤمن الموارد اللازمة لها وتقترح ما يلزمها من ضرائب ورسوم جديدة لتخفيض العجز المقّدر في الموازنة، لا سيما وأن رئيس لجنة المال النيابية كشف  خلال جلسة اليوم أنهم تمكنوا خلال النقاش في اللجنة في بند  الموارد من إيجاد وفر كبير بحوالي ألف مليار ليرة لبنانية ما يساعد على خفض العجز العام.

وختم بالقول "عندما نعرف الأرقام النهائية لأكلاف السلسلة يمكننا أن نعرف الموارد التي نحتاج إليها علما أن بند  الضرائب المقترحة لتمويل السلسلة لم نصل إلى مناقشته بعد".

الرئيس ميقاتي: وصلنا لمشروع أتمنى أن يكون خطوة بسبيل الإصلاح السياسي

 

رأى الرئيس نجيب ميقاتي "أن من ايجابيات مشروع القانون الجديد للإنتخابات النيابية، الذي انطلق من المشروع الذي أقرته حكومتنا وأرسلته الى مجلس النواب عام ٢٠١٢، أنه سينتج تنوعاً سياسياً من شأنه إعطاء قيمة مضافة للعمل السياسي في لبنان"  وأمِل "أن ينبثق عن الإنتخابات التي ستجري وفق القانون الجديد فريق عمل متجانس نتمكن من التعامل معه".

وفي كلمة ألقاها خلال رعايته حفل السحور السنوي لمؤسسات العزم في طرابلس قال الرئيس ميقاتي:" صحيح أننا عشية إقرار قانون جديد للإنتخابات النيابية يمكن أن يعطي أملاً بالإصلاح، إلا أنه جرى تشويه لمشروع القانون الذي أرسلته حكومتنا إلى مجلس النواب في عدة أمور، لن أتناولها تقنياً بالتفصيل اليوم، ولكن المجموعة التي صاغت مشروع القانون الحالي، والتي لها الكلمة الأولى في صياغته، كانت في حكومتنا، ووافقت على مشروع القانون الذي أرسلناه، سواء بالإسمين التفضيليين، أو بتقسيم الدوائر، أو بتخصيص ستة مقاعد إضافية على عدد أعضاء مجلس النواب الحالي تخصص للمغتربين والأهم، عدم نقل أي مقعد نيابي من منطقة الى أخرى. هذا ما أصررنا عليه ووافقنا عليه في حكومتنا بالإجماع. واليوم وبعد ستة أو سبعة أشهر من الجدل العقيم، وصلنا إلى مشروع، أتمنى أن يكون خطوة أساسية في سبيل الإصلاح السياسي وإنتاج طبقة سياسية جديدة في لبنان، تتماشى مع تمنياتنا وأحلامنا كلبنانيين.

أضاف: "أنتم أبناء العزم، أنتم أبناء الوسطية ونحن نعرف ماذا نريد. نريد بناء الدولة العادلة لكل الناس، وأن يكون شعارنا محاربة الفساد وتحقيق النزاهة بنسبة مئة في المئة، هذا هو الأساس، ونحن نطلب الأمن والأمان وليس أكثر، ونتمنى أن تتكون السلطة الجديدة على هذه الأسس".

وقال:" دوركم دور غير عادي، فالتعاطي مع الناس ليس سهلاً، وكما يقال: "لا يرضي العباد إلا رب العباد ." أعلم أنه من الصعب إرضاء جميع الناس، ولكني على يقين بأنه بالمحبة والإبتسامة والود لأي طالب خدمة، نكون قد اجتزنا نصف المسافة في الإتجاه الصحيح. عاملوا الناس كما تحبون أن تُعاملوا: بالمودة والمحبة. فهذا ما يجسد قول الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يوصي بذلك. أعرف أن هذا الأمر ليس سهلاً ولكنني أعرف أيضاً أن نتيجته إيجابية. دوركم كبير وأساسي، ويشكل خط الدفاع الأول لكل التعاطي مع الناس، وقد كتبت علينا هذه الخطى، وسنتابعها بكل إصرار وتصميم".

أضاف: "ربما كان البعض يقول أن هذا العمل هو من أجل السياسة، وليس للصالح العام. وأنا أقول إن "جمعية العزم والسعادة الإجتماعية "قد وجدت قبل تفكيرنا، سواء أنا أو شقيقي، بالتعاطي بالشأن السياسي وبالعمل العام. لقد أنشأناها لخدمة أبناء مدينتنا طرابلس الحبيبة. وهذا هو إصرارنا وهو ما سنبقى عليه. واليوم، مع تعاطينا العمل العام، زاد حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، ونحن لن نقصر بإذن الله".

وقال:" إن نجاح "جمعية العزم والسعادة الإجتماعية" وسائر مؤسسات العزم، مرده الى ثلاثة أسباب اولها رضى الله ورضى الوالدين، وإصرار هذه الموارد البشرية الطيبة التي تتفهم الناس، وتتعاطى معها يومياً، فلولاكم، لما كانت الجمعية العزم والمؤسسات فأنتم الأساس، والمحرك الأساسي. ولولا وجود شخص يدعى طه ميقاتي، الذي هو الداعم الحقيقي من خلف الستار، والمقتنع والمؤمن بالعمل الذي تقومون به، لما كان هذا النجاح وهذه المؤسسات التي ستكبر يوماً بعد يوم بإذن الله".

إطبع


كلمة الرئيس ميقاتي في حفل تكريم النائب السابق عبد المجيد الرافعي في مجمع العزم بتاريخ 25/11/2016
الجمعة، ٢٥ تشرين الثاني، ٢٠١٦

أيها الحفل الكريم

 

لكل مدينة قصصٌ تروى

ولكل مدينة ملاحمٌ تُخَلَد

ولكل مدينة ذاكرة تؤرخ

وفي كل حقبة يعمد الناس في الدول والمدن والممالك والجمهوريات الى تأريخ حقباتهم  بمن مضى وبما مضى،

 

ولطرابلس التي نعرفها أعمدة عديدة من الرجالات تتشكل من إرادة الناس وأحد أبرز الأعمدة في هيكل طرابلس هو  الدكتور عبد المجيد الرافعي.

 

الصديق، الأخ والحبيب الدكتور عبد المجيد الرافعي، الذي نجتمع  اليوم لتكريمه  تميز بالصفات الوطنية والانسانية والعطاء المستمر، وأحبه الطرابلسيون لقربه منهم وتفانيه في خدمتهم.

 

كان بصفته طبيبا مؤسسا لأول مستوصف صحي مجاني في مدينة طرابلس عام 1959 بعد أحداث لبنان عام 1958 حيث شارك بالمقاومة الشعبية ولم يتوان يوما عن تلبية نداء أو استغاثة ولو في أوقات الفجر ومنتصف الليل.

 

لَبس ثياب عمال الإنقاذ خلال طوفان أبي علي ١٩٥٥ وحمل الغرقى على كتفيه ومشى.

 

هو من دخل بيوت الناس من التنك والطين وجلس الى جانب مرضاه حتى طلوع الفجر ليتأكد أن الحمّى قد زالت أو قاربت الزوال.

 

رجلٌ حمل القلم وكتب الشعر ولو أن أروع قصائده صيغت لحبيبة العمر ورفيقة دربه ليلى التي ساهمت بشكل فاعل في كل أنشطة الحكيم وفي صياغة قراراته، فباتا حتى يومنا هذا  مثالاً للشريكين والحبيبين والصديقين. فيا ست ليلى  كل ما يقال عن صفاتك المميزة هو قليل لأنك حقا مناضلة بكل ما للكلمة من معنى.

 

الدكتور عبد المجيد الرافعي رجلٌ لبس البزة العسكرية لكن القتال لم يقنعه، وحين شعر أن وجوده يهدد أمن أهله ورفاقه طالبهم بإلقاء السلاح وحقن الدماء ومضى... فسجل الموقف له وليس عليه لأنه أرضى ربه وأرضى ضميره وأرضى الناس الذين أحبهم وأحبوه، كما  حافظ على قناعاته وأخلص لها واضطرته الى تهجيره بشكل قسري.

 

أيها الحفل الكريم

 

لقد فرض الدكتور رافعي حضوره المحبب على كل المستويات بدءا بعائلته الصغيرة  التي جمعت عائلتي الرافعي وميقاتي وصولا الى عائلته الكبرى طرابلس، ولكن، وأقول بمنتهى الصدق: تقدم حب الحكيم لدى اهل طرابلس على الإلتزام السياسي، فصوتوا له قبل أن يصوتوا لحزبه او للخط السياسي الذي ينتمي اليه، ناصروه ثم صوتوا له، ففاز ولم يفز، ثم فاز وكرس نجاحه، وحصد أعلى نسبة أصوات المدينة في الانتخابات النيابية عام 1972.

 

وخلال الاحداث المؤلمة واضطراره الى مغادرة لبنان، لم يبخل يوما في مساعدة الجميع، لا سيما أهل مدينته، عبر تأمين فرص العمل لهم وتوفير المنح الجامعية للمئات اضافة الى جعل بيته مفتوحا للبنانيين في عاصمة العباسيين. هكذا استفاد اللبنانيون من هجرته القسرية حيث قام بدور مهم  على صعيد العلاقات اللبنانية – العراقية وافادة لبنان من سياسة النفط مقابل الغذاء، وسهل عمليات التصدير من الانتاجين اللبناني الصناعي والزراعي بأسعار تفاضلية لتأمين تصريفها بالأسواق العراقية، لمنتجين من كل أنحاء لبنان ومن طرابلس على الأخص.

 

لقد خدم الدكتور الطيب شعبه الطرابلسي بكل أمانة واخلاص وانسانية وراحة ضمير فكانت سيرته العطرة على كل لسان.

 

يا إبن العم، طرابلس واهلها  كانت دائما أمانة في عنقك واليوم نقول إنها امانة في أعناقنا أيضا، وسنتعاون جميعا للنهوض بها بعيدا عن الحسابات السياسية أو الانتخابية لكي تستعيد دورها الرائد كلؤلؤة على شاطئ البحر المتوسط، عربية الهوى والهوية ، لبنانية الانتماء تساهم في ترسيخ الوحدة الوطنية الجامعة وتمثل التعدد والعيش الواحد بين كل مكونات لبنان.

 

ايها الحفل الكريم

 

لا بد لي في هذه المناسبة من أن اذّكر أن المرات الكثيرة التي كنت ادخل فيها الى المجلس النيابي في السبعينيات من القرن الماضي  لمتابعة سير المناقشات النيابية كانت بفضل بطاقة دعوة كان الدكتور عبد المجيد  يؤمنها لي. ومن مناقشاته الغنية والرؤيوية تحت قبة البرلمان تعلمت الكثير ولا أزال. وفي هذه المناسبة قررت عدم الكلام في السياسة الحالية مكتفيا بان اعيد على مسامعكم محطات من مواقفه التي لا تزال صالحة الى يومنا هذا، وكأنها قيلت في هذا الوقت وليس قبل اكثر من أربعين عاما.

 

ففي جلسة مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس الراحل رشيد الصلح في الثالث من كانون الأول عام 1974 قلت يا دكتور بجراة ليست غريبة عنك "نحن أمام خيار بين اثنين لا ثالث لهما، فإما التغيير وإما الإنفجار. إما التغيير في قواعد الحكم وفي ممارسة الحكم وفي أهداف الحكم، وإما إنفجار الأوضاع وولوج المجهول من المصير". كان ذلك في العام 1974، وبعد أقل من عام بدات الحرب اللبنانية.

 

وكأنك ايضا كنت تستشرف حاضرنا المؤلم فقلت "مشكلة لبنان لم تعد سياسية، كما كانت عند مطلع الاستقلال. مشكلة لبنان لم تعد في الإيمان بلبنان دولة عربية مستقلة سيدة حرة. مشكلة لبنان أصبحت اجتماعية. مشكلة لبنان هي مشكلة الإنسان في لبنان الذي يتطلب الكثير فلا يجد إلا القليل والحرمان".

 

ولأننا في مرحلة كثر فيها الحديث عن الميثاق الوطني أستعيد حكمة القول عندك بما أدليت به على منبر  مجلس النواب  في الخامس والعشرين من تموز سنة 1973 حيث قلت: الميثاق الوطني كما نفهمه لم يكن توزيع ادوار واقتسام مناصب، بمقدار ما كان حرصاً، على إفساح المجال للبنان، أن يمارس ديمقراطية ووطنية وعروبية، بعيداً عن أي تسلط، وتبعية أو تنكر للانتماء العربي الثابت والعريق". ونحن بدورنا نقول ونسأل هل من يتعظ؟

 

وفي جلسة مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس الراحل صائب سلام بتاريخ الثامن من حزيران 1972 طرحت يا دكتور عبد المجيد بوضوحك الشديد اشكالية اساسية لا تزال قائمة حتى يومنا الحالي وتتعلق بقانون الانتخابات النيابية الموضوع عام 1960 حيث قلت ما حرفيته "الانتخاب ولو كان حراً إلى أبعد الحدود في ظل القانون الحالي، لا يعبر تعبيراً صحيحاً عن إرادة الشعب. فالأكثرية النيابية في ظل هذا القانون، لا تعبر بالضرورة عن الأكثرية الشعبية أو على الأقل، لا تعبر عن الأكثرية الشعبية بالنسبة ذاتها". فما اشبه اليوم بالبارحة، واذا كنت طرحت هذه الاشكالية عام 1974، فاي جريمة ترتكب لو اعتمد هذا القانون نفسه في الانتخابات المقبلة المحددة عام 2017؟

 

ولأننا نعيش من دون موازنة  وقطع حساب منذ سنوات عديدة إقتبست من كلمتك في مجلس النواب في السادس من شباط 1973 الآتي: الاهتمام الشعبي والسياسي والوطني بالموازنة يتراجع عاماً بعد عام، لشعور المواطنين بابتعاد الموازنة عن قضاياهم اليومية أو لشعورهم بالعجز عن احداث أي تغييرات جدية فيها. وضعف الاهتمام الشعبي والسياسي بالموازنة هو مظهر من مظاهر تردي الحياة التشريعية في البلاد،لأنه في البلدان الديمقراطية الراقية تكون الموازنة موضع نقاش كل أفراد الشعب ابتداء بربات البيوت وانتهاء برئيس الوزراء، وهذه بالطبع ظاهرة خطيرة يتوجب الوقوف عندها اذا كنا مخلصين فعلاً للديمقراطية ولترسيخ تقاليدها في البلاد".

 

ولأنك الحريص دائما يا دكتور على النزاهة والاستقامة، قولا وفعلا، وقفت بكل عنفوان وجرأة تصرخ في وجه سارقي المال العام  قائلا في الجلسة النيابية العامة بتاريخ الرابع والعشرين من آب 1972 "كنا نود أن تستمع الحكومة إلى مشاعر النواب وأرائهم التي تعكس مشاعر المواطنين بخيبة الأمل من هدر أموال الشعب بهذه الكيفية وعلى هذه الطريقة، وقد سمعنا مسؤولين وغير مسؤولين يقولون، أن السمسرة موجودة في لبنان ولا عيب فيها. إن سماع مثل هذه الأقوال يضيف فضيحة على الفضائح التي نسمع بها، ويجب علينا نحن، كممثلي الشعب، أن نطالب الحكومة ولو مرة واحدة، أن تتخذ بشكل من الأشكال، بادرة بالضرب بيد من حديد، ومعاقبة كل من تسول له نفسه هدر الأموال، ووضع يدها على الذين سمسروا أو على الذين ارتشوا أياً كانت مناصبهم".

 

أما في مقاومة العدو الاسرائيلي فلك يا دكتور صولات وجولات منها قولك بتاريخ الرابع من تشرين الثاني عام 1972"إن اسرائيل التي تهدد وتنفذ اعتداءاتها اليومية على لبنان لا تبحث عن مبرر للاعتداء ولا تهتم بهذا الأمر. بينما نرى ان مبررات الدفاع قائمة في كل لحظة. وكنا نتمنى أن تكون المواجهة التي جرت بين الجيش اللبناني والغزاة الاسرائيليين في المعركة السابقة، هي نقطة انطلاق لترسيخ سياسة دفاعية واضحة، ولكن ما يجرى حالياً هو عملية اغراق المواطن في بحر من المحاكمات والفضائح والدراسات المتناقضة عن الاسلحة المشتراة أو المزمع شراؤها، بحيث تضيع مسألة الدفاع الوطني في هذا الخضم".

 

ونصل في مواقفك الى الفيحاء الحبيبة التي لم تغب عن بالك وقولك وعملك يوما. ومن خلال مراجعتي لكل المواقف والخطب التي ادليتها في مجلس النواب، كانت  طرابلس الحاضر الأبرز والأول، في السياسة والادارة والمشاريع الاقتصادية وحقها في التنمية.

 

ففي الثاني عشر من آذار1974أدليت بمداخلة شاملة عن طرابلس قلت فيها "إن حاجة مدينة طرابلس إلى إنماء مرافقها الحيوية أكثر من ملحة لأنها لم تنل من مغانم الحكم ما يوازي الغرم الذي تتحمله... ونرانا مضطرين إلى التساؤل عن مدى ما تجنيه العاصمة الثانية طرابلس من اعتمادات الموازنة وعن مدى استلهام الحكومة لمصالحها الحيوية لدى وضع الموازنة."

 

ايها الحفل الكريم

 

رغبت، من خلال المراجعة، لمواقف حكيم طرابلس أن أظهر نظرته الرؤيوية في كل الملفات، ومدى الترابط بين ما مضى والحاضر، فنفس الكلام يصح ونفس المواقف تُتَبنى دون تعديل الا في التصويب على الإمعان في ضرب الميثاق الوطني، واللحمة الوطنية  واستشراء الفساد والإبتعاد عن الإنماء. لعل في  تكرار الكلام مع بداية هذا العهد الجديد اشارة واضحة لاولويات المرحلة وضرورة معالجتها.

 

وأنت يا حضرة الدكتور الحبيب عبد المجيد الطيب الرافعي، بتكريمك اليوم نحن نكرّم اهلنا ومدينتنا وتاريخنا وحاضرنا. أدامك الله بصحة وعافية وخير. والسلام عليكم .

 

 

 

المزيد من الفيديو
الرئيس ميقاتي يهنىء بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد