الرئيس ميقاتي: كان يجب عند إقرار السلسلة النظر إلى الميزانية العامة

أكد الرئيس نجيب ميقاتي "أن سلسلة الرتب والرواتب هي حق طبيعي ولكن كان يجب عند إقرارها النظر بشكل أفضل الى مدى إنعكاسها على مجمل الميزانية العامة، لجهة ردم الهوة الكبيرة بين المصاريف والواردات". وشدّد على أنه "إذا أخذنا بعين الإعتبار مشروع الموازنة المقدم من الحكومة، وأضفنا عليه ما يتوجب من أكلاف لسلسلة الرتب والرواتب، فسيكون العجز في الموازنة حوالى 9000 مليار ليرة، وهذه النسبة تعتبر عالية مقارنة مع الدخل القومي والعجز العام "، لافتاً الى "أنه لا يمكن  خفض هذا العجز ما لم تكن هناك خطة مدروسة ورؤية واضحة ومتكاملة للحل".

وفي لقاء في طرابلس قال الرئيس ميقاتي: نشكر الله أن الأمور الأمنية مستقرة، وأنا على يقين أنها ستبقى كذلك بإذن الله. أما في الإدارة، فأنتم أهلها وتعلمون مدى ترهل الإدارة اللبنانية والفراغ الحاصل فيها، من حيث عدم المسؤولية وتوزيع المحاصصة بين الزعماء والمسؤولين، حيث تحولت الإدارة الى جزر ومحميات ليس هدفها خدمة المواطن بشكل عام، بل هذا الزعيم أو ذاك.

وقال: يتحدثون عن إبطال آلية التعيينات، وهذه الآلية لن تنهي المحاصصة، بل هي على الأقل مصفاة لإختيار الشخص الأفضل لهذا المركز أو ذاك. وحتى هذا الأمر، يريدون التخلي عنه لكي يتاح لهم تعيين من يشاؤون في أي مركز كان. وهذا دليل آخر على ما يصيب هذه الإدارة من وهن.

أما على الصعيد الإقتصادي فقد أقر المجلس النيابي بالأمس سلسلة الرتب والرواتب، وهي حق للموظف، لأنه منذ العام 1998 لم يتم إعادة النظر برواتب القطاع العام. ولكن كان يجب عند إقرار هذه السلسلة أن ننظر إلى الميزانية العامة، لجهة ردم الهوة الكبيرة بين المصاريف والواردات. اليوم نحن ننتظر إقرار مشروع الموازنة مضافا إليه إعتماد تغطية أكلاف لسلسلة الرتب والرواتب وعندها سنكتشف أن العجز في الموازنة العامة سيصل الى مشارف حوالي 9000 مليار ليرة، وهذه النسبة تعتبر عالية جداً بالنسبة الى الدخل القومي إذا لم نستدرك الأمر فوراً ويتم التوافق على تكوين رؤية واضحة لكيفية سد هذا العجز وتخفيضه من خلال ضبط الإنفاق والحد من الفساد والفلتان الإداري، ومعالجة الإستنزاف في ملف الكهرباء. ما تدفعه الدولة سنوياً دعماً لهذا القطاع هو بحدود ١٥٠٠ مليار ليرة، رغم أن المواطن يعاني من إنقطاع الكهرباء ويدفع في الوقت ذاته فاتورتين للكهرباء. لقد أبدينا إستعدادنا للمساعدة في تأمين الكهرباء، وتوفير هذا العجز على الخزينة، ولكن لا حياة لمن تنادي فكلها تشابك مصالح، ولا أحد يستطيع أن يضع رؤية واضحة لتخفيض هذا العجز، بعيداً عن ضريبة من هنا ورسم من هناك سيكون تأثيرهما سيئاً على المواطن ولن يغطّيا إلا جزءاً قليلاً من العجز. مثالاً على ذلك لقد تمت زيادة نسبة واحد في المئة على الضريبة على القيمة المضافة، ما يمكن أن يزيد الواردات بحوالي 240 مليون دولار، أي ما يوازي 400 مليار ليرة. نحن نتكلم عن عجز يقدر ب9000 مليار ليرة، ولذلك فمهما فعلوا فهم لن يستطيعوا تخفيض هذا العجز ما لم تكن هناك خطة مدروسة وورؤية واضحة ومتكاملة للحل.

ملف طرابلس

وتطرق الى الشؤون الطرابلسية فقال: إننا بحاجة دائماً الى أن تنظر الدولة اللبنانية بعين العدل والإنصاف إلى هذه المدينة، والى كل المحافظة بشكل عام من عكار إلى طرابلس. يقول البعض من باب الحملات ليس إلا "كنتم خمسة وزراء، فماذا فعلتم"؟ وجواباً على هذا السؤال أقول: على الرغم من كل المعارضات والمعوقات التي وضعت أمامنا في تلك المرحلة التي تعونها تماماً، استطعنا أن نؤمّن الإعتمادات اللازمة لإستكمال الخط الدائري، ومبنى الجامعة اللبنانية وسوق الخضار، وإستكمال تطوير مرفأ طرابلس واضعين إياه على الخارطة الأساسية كمرفأ أساسي في حوض البحر المتوسط. إضافة الى ذلك خصصنا مبلغ مئة مليون دولار للإنماء في طرابلس ولا نعرف مصيره بعد. كل هذه الأمور وضعت في عهد حكومتنا، افعلوا كما فعلنا ونحن لكم من الشاكرين. حاولوا أن تجدوا المشاريع، والأهم أن تكون مشاريع إقتصادية لإنعاش المدينة.

الإنتخابات النيابية

وعن ملف الإنتخابات النيابية الفرعية والعامة قال: في موضوع الإنتخابات الفرعية هناك فراغ في مقعدين نيابيين في طرابلس، واحد مقعد للروم الأرثوذكس وآخر للطائفة العلوية.

نحن على كامل الاستعداد في تيار العزم لخوض هذه المعركة، وقلت تفادياً لأي جدل أنه سيكون لنا موقف عند دعوة الهيئات الناخبة، ففسّره البعض تردداً أو ضعفاً. ليقولوا ما يشاؤون ولكن بإذن الله نحن لها.

أما في موضوع الإنتخابات العامة المقررة العام المقبل فإن القانون الذي صدر اعتمدت فيه معظم البنود الواردة في المشروع الذي وضعته حكومتنا وعدلوا مواداً أخرى شكّلت تشويهاً كاملاً لمشروعنا. من هنا أعتقد أنه يجب، قبل الإنتخابات النيابية العامة، أن يصار بهدوء وروية الى إعادة النظر بهذا القانون، ليكون قانوناً منطقياً ينتج حسن التمثيل. هذا هو المطلوب، ولكن، في كل الأحوال، حتى ولو لم تتم هذه المقاربة فنحن سنخوض هذه الإنتخابات أيضاً.

المسجد الأقصى

وكان الرئيس ميقاتي يتحدث خلال حفل الغداء الذي أقامه القطاع الديني في "تيار العزم"على شرف المشايخ المشاركين في برنامج الدعم الديني خلال شهر رمضان المبارك، بحضور أمين دار الفتوى الشيخ محمد إمام ولفيف من المشايخ.

وقال الرئيس ميقاتي: لقد أعاننا الله أن يكون شهر رمضان هذه السنة شهراً مميزاً في الجمعية، على مختلف الصعد لا سيما على الصعيد الديني والإجتماعي حيث أقيمت في معظم المساجد دروس بعد صلاة العصر، إضافة إلى إقامة صلاة التراويح والقيام وإحياء ليلة القدر. ويا ليت كل أيامنا تكون كشهر رمضان المبارك، شهر التقرب إلى الله تعالى، والصلوات والدعوات "ألا بذكر الله تطمئن القلوب "...

اليوم بالذات، ونحن نحتفل ونكرم من تابع وعمل في مساجد طرابلس، تنتابنا غصة في قلوبنا عندما نذكر المسجد الأقصى وما يتعرض له. عندما نقرأ أو نتابع ما يحصل هناك، فإنني لا شعورياً أقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله". ومن يسلّم أمره إلى الله، فإن الله يجعل له مخرجاً.

التوكل على الله ضروري وأساسي، وإيداع الأمر لديه سبحانه من المسلمات لدينا، ولكن أيضاً علينا نحن العرب والمسلمين أن نتعاضد ونتكاتف، لنكون يداً واحدة في كل الأمور، وخاصة في هذا الأمر بالذات. كيف لا، والمصلون المسلمون يمنعون من زيارة المسجد، فيما نحن نتصارع ونتحارب ونشهد كل أنواع الشرذمة. أليست مسألة  المسجد الأقصى بالذات، يجب أن تكون سبباً للتعاضد والتكاتف، ونسيان الخلافات، ولتجتمع كلمة العرب والمسلمين على أمر واحد، هو الضغط على الدول الكبرى، لإجبار إسرائيل على رفع الظلم عن أهلنا في فلسطين المحتلة.

أضاف: من الضروري أن تزول هذه الخلافات، وأن نكون جميعاً يداً واحدة لتحرير المسجد الأقصى من أيادي العدو الصهيوني. هذا ينبغي أن يكون المعيار للخروج من المشاكل التي نعاني منها. يجب دائماً أن لا ننسى أهلنا في فلسطين والمسجد الأقصى، وأن نشارك غداً في الإعتصام الذي دعا إليه صاحب السماحة المفتي مالك الشعار الذي نكن له كل احترام ومحبة ومودة، وشكراً لكم جميعاً. وفي الختام نشكر للحاضرين حضورهم ومشاركتهم في الشهر الفضيل.

الرئيس ميقاتي: يوجد إجماع على أن سلسلة الرتب والرواتب هي حق يجب إقراره

شارك الرئيس نجيب ميقاتي في الجلسة التشريعيّة التي تعقد في المجلس النيابي.

وقال لدى مغادرته المجلس بعد انتهاء الجلسة الصباحية "لاحظنا خلال الجلسة وجود إجماع بين النواب على أن سلسلة الرتب والرواتب للموظفين والعاملين في القطاع العام هي حق يجب إقراره، ومن جهة أخرى يبقى البحث ناشطاً في موضوع الموارد.

أضاف: من المستحسن أن نقِّر سلسلة الرتب والرواتب لكي تتكون لدينا فكرة واضحة ودقيقة عن أكلافها على أن تدرج ضمن الموازنة، حيث من واجب الحكومة أن تؤمن الموارد اللازمة لها وتقترح ما يلزمها من ضرائب ورسوم جديدة لتخفيض العجز المقّدر في الموازنة، لا سيما وأن رئيس لجنة المال النيابية كشف  خلال جلسة اليوم أنهم تمكنوا خلال النقاش في اللجنة في بند  الموارد من إيجاد وفر كبير بحوالي ألف مليار ليرة لبنانية ما يساعد على خفض العجز العام.

وختم بالقول "عندما نعرف الأرقام النهائية لأكلاف السلسلة يمكننا أن نعرف الموارد التي نحتاج إليها علما أن بند  الضرائب المقترحة لتمويل السلسلة لم نصل إلى مناقشته بعد".

الرئيس ميقاتي: وصلنا لمشروع أتمنى أن يكون خطوة بسبيل الإصلاح السياسي

 

رأى الرئيس نجيب ميقاتي "أن من ايجابيات مشروع القانون الجديد للإنتخابات النيابية، الذي انطلق من المشروع الذي أقرته حكومتنا وأرسلته الى مجلس النواب عام ٢٠١٢، أنه سينتج تنوعاً سياسياً من شأنه إعطاء قيمة مضافة للعمل السياسي في لبنان"  وأمِل "أن ينبثق عن الإنتخابات التي ستجري وفق القانون الجديد فريق عمل متجانس نتمكن من التعامل معه".

وفي كلمة ألقاها خلال رعايته حفل السحور السنوي لمؤسسات العزم في طرابلس قال الرئيس ميقاتي:" صحيح أننا عشية إقرار قانون جديد للإنتخابات النيابية يمكن أن يعطي أملاً بالإصلاح، إلا أنه جرى تشويه لمشروع القانون الذي أرسلته حكومتنا إلى مجلس النواب في عدة أمور، لن أتناولها تقنياً بالتفصيل اليوم، ولكن المجموعة التي صاغت مشروع القانون الحالي، والتي لها الكلمة الأولى في صياغته، كانت في حكومتنا، ووافقت على مشروع القانون الذي أرسلناه، سواء بالإسمين التفضيليين، أو بتقسيم الدوائر، أو بتخصيص ستة مقاعد إضافية على عدد أعضاء مجلس النواب الحالي تخصص للمغتربين والأهم، عدم نقل أي مقعد نيابي من منطقة الى أخرى. هذا ما أصررنا عليه ووافقنا عليه في حكومتنا بالإجماع. واليوم وبعد ستة أو سبعة أشهر من الجدل العقيم، وصلنا إلى مشروع، أتمنى أن يكون خطوة أساسية في سبيل الإصلاح السياسي وإنتاج طبقة سياسية جديدة في لبنان، تتماشى مع تمنياتنا وأحلامنا كلبنانيين.

أضاف: "أنتم أبناء العزم، أنتم أبناء الوسطية ونحن نعرف ماذا نريد. نريد بناء الدولة العادلة لكل الناس، وأن يكون شعارنا محاربة الفساد وتحقيق النزاهة بنسبة مئة في المئة، هذا هو الأساس، ونحن نطلب الأمن والأمان وليس أكثر، ونتمنى أن تتكون السلطة الجديدة على هذه الأسس".

وقال:" دوركم دور غير عادي، فالتعاطي مع الناس ليس سهلاً، وكما يقال: "لا يرضي العباد إلا رب العباد ." أعلم أنه من الصعب إرضاء جميع الناس، ولكني على يقين بأنه بالمحبة والإبتسامة والود لأي طالب خدمة، نكون قد اجتزنا نصف المسافة في الإتجاه الصحيح. عاملوا الناس كما تحبون أن تُعاملوا: بالمودة والمحبة. فهذا ما يجسد قول الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يوصي بذلك. أعرف أن هذا الأمر ليس سهلاً ولكنني أعرف أيضاً أن نتيجته إيجابية. دوركم كبير وأساسي، ويشكل خط الدفاع الأول لكل التعاطي مع الناس، وقد كتبت علينا هذه الخطى، وسنتابعها بكل إصرار وتصميم".

أضاف: "ربما كان البعض يقول أن هذا العمل هو من أجل السياسة، وليس للصالح العام. وأنا أقول إن "جمعية العزم والسعادة الإجتماعية "قد وجدت قبل تفكيرنا، سواء أنا أو شقيقي، بالتعاطي بالشأن السياسي وبالعمل العام. لقد أنشأناها لخدمة أبناء مدينتنا طرابلس الحبيبة. وهذا هو إصرارنا وهو ما سنبقى عليه. واليوم، مع تعاطينا العمل العام، زاد حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، ونحن لن نقصر بإذن الله".

وقال:" إن نجاح "جمعية العزم والسعادة الإجتماعية" وسائر مؤسسات العزم، مرده الى ثلاثة أسباب اولها رضى الله ورضى الوالدين، وإصرار هذه الموارد البشرية الطيبة التي تتفهم الناس، وتتعاطى معها يومياً، فلولاكم، لما كانت الجمعية العزم والمؤسسات فأنتم الأساس، والمحرك الأساسي. ولولا وجود شخص يدعى طه ميقاتي، الذي هو الداعم الحقيقي من خلف الستار، والمقتنع والمؤمن بالعمل الذي تقومون به، لما كان هذا النجاح وهذه المؤسسات التي ستكبر يوماً بعد يوم بإذن الله".

إطبع


سنّة الشمال: خيار الدولة أو التقوقع؟
الإثنين، ٢٧ شباط، ٢٠١٧

جريدة الأخبار - ابراهيم الأمين

المشترك بين طرابلس وعكار أمر واحد: غياب الدولة!

الطرقات بين عاصمة الشمال ومحافظة عكار المحرومة لا تعكس بالضرورة حالة فقر في مدينة طرابلس. ازدحام قائم صباحاً وظهراً، وحتى ليلاً، في الكثير من الطرقات المتفرعة من مستديرة عبد الحميد كرامي (ساحة النور) في اتجاه مدينة الميناء، أو حيث تنتشر المقاهي والمطاعم الحديثة في شارع عشير الداية. ازدحام يدل على حياة صاخبة، تعكس التناقض الذي تعيشه المدينة، كما القضاء والمحافظة.

الميسورون كلهم يأتون الى هنا، ويمرون بجانب الابنية الممزقة برصاص حروب الاحياء الفقيرة، من أحياء التبانة صعوداً حتى الجبل، حيث المستوى الادنى من العيش، وحيث النوع المختلف من الهموم والاحلام.

بين البداوي وعكار، تشي لافتات أسعار الخضر واللحوم واللوازم المنزلية بحالة التعب والعوز لأبناء تلك المنطقة. صور الزعماء المحليين تنتشر، الى جانبها لافتات يناشد رافعوها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أن يشمل عفوه العام أبناءهم. لا تدقيق في نوع الاحكام إن صدرت أصلاً. لكن القرى التي لا تزال كما كانت منذ زمن بعيد، باتت ساحة يتقاسمها، مناصفة، أهاليها ونازحون سوريون.تتنافس القيادات الشمالية على

النقاش من بعيد يكاد ينحصر في من يحتل المرتبة الاولى شعبياً. ثلاثة استطلاعات أجريت لمصلحة ثلاثة زعماء فيها، أظهرت الرئيس نجيب ميقاتي أول، واللواء أشرف ريفي ثانياً، والرئيس سعد الحريري ثالثاً. والفوارق بين الثلاثة ضيّقة للغاية، علماً بأن استطلاعين خاصين بتيار المستقبل أظهرا استعادة الحريري بعض النقاط منذ توليه رئاسة الحكومة على حساب ريفي. لكن الاستطلاعات الثلاثة، التي جرت بين السنّة من أهل المدينة، وضعت الإسلاميين في مراتب متدنية جداً. يتعادل فريقا الأحباش والجماعة الاسلامية بأقل من ثلاثة في المئة لكل منهما، ويتقدم عليهما الوزير السابق فيصل كرامي، بينما لا تظهر الجماعات السلفية في الارقام. لكن مطّلعين على أحوال الناس يلفتون الى أن قواعد السلفيين موزعة بين ريفي من جهة، ومكتومي القيد السياسي من جهة ثانية. والمشترك أنهم عرضة للملاحقات الامنية من قبل أجهزة الدولة. حتى رجال الدين الذين تولّوا النطق باسمهم، خفت وهجهم كثيراً في الآونة الاخيرة.

الكلام من بعيد بما خصّ ملف الانتخابات النيابية، لا يزال ينطلق من تصورات على أساس أن الانتخابات ستحصل وفق قانون الستين أو ما يعادله. وبالتالي، يسأل الناس عن أي تحالف سيقوم: ميقاتي – ريفي، أم ميقاتي – الحريري، أم ميقاتي – كرامي؟ في وجه الحريري في الأول، وريفي في الثاني، لتكون النتيجة المتوقعة شبيهة بنتائج الانتخابات البلدية، مع تغييرات أكيدة، بعد السؤال عن وجهة الصوتين المسيحي والعلوي في المدينة.

لكن على أي أساس ستقوم التحالفات؟

سياسياً، لا فروقات جوهرية بين الحريري وريفي والجماعة الإسلامية. لكن الخلافات قوية حول «الإمرة لمن؟». ريفي، الذي ينتقد تخلّي الحريري عن ثوابته، يرفع سقف التحدي بعناوين لا يمكن الحريري تبنّيها بعد التسوية الرئاسية وتشكيل الحكومة. ويظهر ميقاتي حريصاً على موقع وسطي، لا يتبنّى فيه شعارات ريفي، ولا يكون مضطراً إلى ردّها كاملة، فيما تستمر معاناته جراء عدم قيام علاقة سليمة وندية بينه وبين الحريري، ما يعيق أي تحالف قوي بينهما.

المشكلة تبرز في حقيقة ما يريده كل طرف من لعبة الاستقطاب القائمة حالياً. الحريري واضح في أنه يريد تنظيم خسائره، وهو يراهن على نفوذه في الدولة لاستعادة موقع الاول. وهذا هدف لا يبدو سهل المنال. أما ميقاتي، الذي مكّنته الخدمات الاجتماعية من التوسع، فهو مصرّ على الابتعاد عن مشهد المواجهة السياسية. حتى عندما قرر معارضة وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية، لم يكن بالإمكان صرف هذا الموقف شعبياً، بخلاف ريفي الذي يبني رصيده ليس على رفض عون كرئيس، بل على مهاجمة حزب الله بوصفه مركز السلطة في البلاد. وهو كلام له صداه في الشمال، الأمر الذي يجعل مهمة الحريري وميقاتي محددة إذا أرادا المواجهة الواضحة مع ريفي، أو التحالف القادر على العيش في المدينة وخارجها.

الواضح أن قاعدة ريفي موزعة على ثلاث فئات: أولى تخصّ المحاسيب الذين وثّق علاقته بهم منذ كان مديراً عاماً لقوى الامن الداخلي، وثانية تخصّ غير المستفيدين من خدمات الحريري من أبناء الأحياء الفقيرة، وثالثة تضم الباحثين عن مرجعية تواجه حزب الله وعون. وهذه الفئة ليس فيها تمايزات طبقية واجتماعية. ومع الوقت، باتت التقاطعات بين قواعد ريفي والحريري ضيقة ومحدودة للغاية، حتى بات من غير المتوقع حصول انزياحات جديدة، اللهم إلا إذا تمكن الحريري من استمالة طالبي الخدمات.

في الجهة المقابلة، تبدو المشتركات بين جمهوري الحريري وميقاتي أكبر. فيها، أولاً، الكتلة الرافضة لما تسمّيه الخطاب المتطرف لريفي. وفيها، ثانياً، الكتلة الاقتصادية الباحثة عن مشتركات وقواسم مع أبناء الطوائف الاخرى. وفيها، ثالثاً، أبناء المدينة الساعون الى إعادة الوصل مع بقية المناطق ومع الدولة أيضاً. وفيها، فوق كل ذلك، ولو سراً، المعترضون على سلوك أبناء الأحياء الفقيرة، أو من يطلقون عليهم خزان محاور القتال.

هل من استراتيجية هناك؟

حتى اللحظة، تظهر الثغرة الكبرى في كون الجميع يحصر معركته بالشارع الشمالي. هم لا ينظرون جدياً الى علاقته بما يجري في بقية البلد. وهي ثغرة يمكن أن تجعلهم، جميعاً، مجرد قادة زواريب فقط، وتتيح لهم الاحتفاظ بمكاسب ليس فيها أكثر من صور قادة مرفوعة على جدران تخفي بؤس من يعيش خلفها... وكل ذلك يقود الى اعتبار أن «المسألة السنية» حاضرة لدى هذه القيادات، كأنها مشكلة موضعية أو تخصّ جماعة دون غيرها. وهو مكمن الخطر.

قد يكون من الجائز تذكير هذه القيادات بأن العصر الذهبي لـ«السنيّة السياسية» تراجع بقوة منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهو آخذ بالضمور. وسيكون المتحمسون له أمام أوضاع أصعب، إن لم تحصل المراجعة التي تشمل الدولة والعلاقة ببقية الشركاء؛ من الرئيس عون وما يمثله طائفياً ومذهبياً ووطنياً، الى حزب الله وما يمثله أكثر على الصعيد الاقليمي، ما يوجب مراجعة للعلاقة بالمحاور المتنازعة إقليمياً. وهو أمر غير متاح الآن. ولأنه كذلك، سيكون من الصعب توقع تبدلات كبيرة في المدى المنظور. وهي حال مناطق أخرى في لبنان، من العاصمة بيروت، حيث قرر خصوم الحريري (خصوصاً تجربة بيروت مدينتي) التخلي عن العنوان السياسي، الى صيدا حيث الانقسام قائم ومستمر سياسياً وإنمائياً، الى البقاع الأوسط والغربي حيث النزاعات موضعية أيضاً.

وإذا كان من الصعب مناقشة ريفي والحريري شمالاً، وربما آخرين في بيروت والبقاع، فإن من المفيد مخاطبة ميقاتي، للفت الانتباه الى أن عدة المواجهة التي عمل عليها خلال العقد الماضي قد انتفت الحاجة اليها. ومثلما يرفض هو تبنّي طروحات سعودية تستدعي خلافات مع الآخرين، فهو سبق أن رفض تبنّي طروحات حزب الله وحلفائه. لكن الحال، على صعوبتها، تقتضي منه الذهاب نحو مواجهة بعنوان وحيد هو: استعادة الشمال للدولة بكل مؤسساتها وثقافتها. وهو خيار يحتاج الى عدة جديدة للعمل. أما البديل، فهو الاستقالة الفعلية، ما يترك المسرح لآخرين، لا يملكون سوى التحريض والتعبئة العمياء، سعياً الى زعامات تعيش، فقط، على استمرار غياب الدولة أولاً وأخيراً!

المزيد من الفيديو
الرئيس ميقاتي يهنىء بمناسبة حلول عيد الفطر السعيد